أبو علي سينا
128
القانون في الطب ( طبع بيروت )
يكون احتواؤه غير متشابه ولا جيداً ، أو يكون جيداً ، إلا أن ثقله يكون مؤذياً للمعدة ، فهي تشتاق إلى حط ما فيها ، وإن لم يحدث قراقر ونفخ . وهذان من أسباب ضعف الهضم وبطلانه أيضاً . وأما الذي يكون بسبب غيره ، فمثل أن يكون في المعدة رياح تحول بينها وبين الاشتمال البالغ على الطعام ، وإذا قيل أن من أسباب فساد الطعام كثرة الجشاء ، فليس ذلك من حيث هو جشاء ، بل من حيث هو ريح يتولد ، فيمدد المعدة ، ويطفي الطعام ، فلا يحسن اشتمال قعر المعدة على الطعام . وكل مطفّ للطعام . فهو عائق عن الهضم ، ومثل أن تكون المعدة يسيل إليها من الرأس ، أو الكبد ، أو الطحال ، أو سائر الأعضاء ما يفسد الطعام لمخالطته ، ولا يمكّن المعدة من تدبيره . وكثيراً ما ينصب إليها بعد الهضم ، وكثيراً ما ينصب إليها قبله ، ومثل أن يكون ما يطيف بها من الكبد والطحال بارداً ، أو رديء المزاج . وأما ما يكون لأسباب طارئة على الطعام وقابلة ، فمثل فقدان الطعام ما يحتاج إليه من النوم الهاضم ، أو وجدانه من الحركة عليه ما لا يحتاج إليه ، فيخضخضه فيفسد ، أو لاتفاق شرب عليه أكثر من الواجب أو أقلّ ، أو إيقاع جماع عليه ، أو تكثير أنواع الأطعمة فيحيّر الطبيعة الهاضمة ، أو استحمام ، أو تعرّض لهواء بارد شديد البرد ، أو شديد الحر ، أو رديء الجوهر . والرياح المحتبسة في البطن تمنع الهضم ، وتفسده بخضخضتها الأغذية وحركتها فيها . والطعام يفسد في المعدة ، إما بأن يعفن ، وإما بأن يحترق ، وإما بأن يحمّض ، وإما بأن يكتسب كيفية غريبة غير منسوبة إلى شيء من الكيفيات المعتادة . وكل ذلك ، إما لأن الطعام استحال إليه ، وإما لأن خلطاً على تلك الصفة خالط الطعام فأفسده ، وربما كان هذا الخلط ظاهر الأثر ، وربما كان قليلًا راسباً إلى أسفل المعدة ، ولا ينبسط ، ولا يتأدى إلى فم المعدة فكلما زاد الطعام رباً وارتقى إلى فم المعدة ، وخالطه كلية الطعام ، وربما كان مثل هذا الخلط نافذاً في العروق ، ثم تراجع دفعة حين استقبله سدد واقعة في وجوه المنافذ لم يتأتّ النفوذ معها ، وإذا كانت المعدة حارة بلا مادة ، أو مع مادة صفراوية ينصب من الكبد إليها لكثرة تولدها فيها ، أِو من طريق المرارة المذكورة ، فسدت فيها الأطعمة الخفيفة ، وهضمت القوية الغليظة ، كلحم البقر . والطحال سبب لفساد الطعام . واعلم أن فساد الهضم قد يؤدي إلى أمراض كثيرة خبيثة مثل الصرع ، والماليخوليا المراقي ، ونحو ذلك ، بل هو أهم الأمراض ، ومنبع الأسقام . وإذا فسد هضم الناقهين ولو إلى الحموضة ، أنذر بالنكس بما يخشى من العفونة ، وكثيراً ما يحدث فساد الطعام حكّة . فصل في أسباب ضعف الهضم : هي جميع الأسباب التي بعدها في باب فساد الهضم ، وعلاماتها تلك العلامات ، إلا أن